سيد محمد طنطاوي

408

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فلما جاء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكان يسير في مؤخرة الجيش شكا إليه عبد اللَّه بن أبي ما فعله ابنه عبد اللَّه معه . فقال ابنه : واللَّه يا رسول اللَّه لا يدخلها حتى تأذن له . فأذن له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . فقال عبد اللَّه لأبيه : أما إذ أذن لك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فجز الآن « 1 » . والآن وبعد ذكر جانب من هذه الآثار التي وردت في سبب نزول هذه الآيات ، نعود إلى تفسيرها فنقول وباللَّه التوفيق . قوله - تعالى - : * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه ، لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ . . ) * بيان لصفة أخرى من صفات المنافقين ، تدل على عنادهم وإصرارهم على كفرهم ونفاقهم . والقائل لهم : * ( تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه ) * جماعة من المؤمنين ، على سبيل النصح لهؤلاء المنافقين لعلهم يقلعون عن كفرهم وفجورهم . والمراد باستغفار رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لهم : توبتهم من ذنوبهم ، وتركهم لنفاقهم ، وإعلان ذلك أمامه صلى اللَّه عليه وسلم لكي يدعو اللَّه - تعالى - لهم بقبول توبتهم . وقوله : * ( لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ) * من اللى بمعنى الإمالة من جانب إلى آخر ، يقال : لوى فلان رأسه ، إذا أمالها وحركها ، وهو كناية عن التكبر والإعراض عن النصيحة . أي : وإذ قال قائل لهؤلاء المنافقين : لقد نزل في شأنكم ما نزل من الآيات القرآنية التي تفضحكم . . فتوبوا إلى اللَّه توبة نصوحا ، وأقلعوا عن نفاقكم ، وأقبلوا نحو رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بقلب سليم ، لكي يستغفر اللَّه - تعالى - لكم ، بأن يلتمس منه قبول توبتكم . . ما كان من هؤلاء المنافقين ، إلا أن تكبروا ولجوا في طغيانهم ، وأمالوا رؤسهم استهزاء وسخرية ممن نصحهم . * ( ورَأَيْتَهُمْ ) * أيها المخاطب * ( يَصُدُّونَ ) * أي : يعرضون عن النصيحة * ( وهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) * عن قبولها ، لانطماس بصائرهم ، وإصرارهم على ما هم فيه من باطل وجحود للحق . قال الآلوسي ما ملخصه : روى أنه لما صدق اللَّه - تعالى - زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبي ، مقت الناس ابن أبي ، وقال له بعضهم : امض إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم واعترف بذنبك ، يستغفر لك ، فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأي ، وقال لهم : لقد أشرتم على بالإيمان

--> ( 1 ) لمعرفة هذه الآثار بالتفصيل راجع تفسير ابن جرير ج 28 ص 71 ، وتفسير ابن كثير ج 8 ص 152 .